أدخل كلمة للبحث:   

بحث بحسب الآحاد أو الأعياد اختر مجال البحث الرجاء الاختيار للعرض


الصليب في حياتنا الإنجيل (يوحنا 19: 6- 11 آ و13- 20 و25- 28 آ و30- 35 آ)

 

في ذلك الزمان، تشاورَ رؤساء الكهنة والشيوخ على يسوع ليُهلكوه. وذهبوا إلى بيلاطس قائلين: إصلبه اصلبه (1). فقال لهم بيلاطس: خذوهُ أنتم واصلبوه، فاني لا أجد فيه علَّة (2). أجابه اليهود: إنَّ لنا ناموساً، وبحسب ناموسِنا هو مستوجبُ الموت، لأنه جعل نفسه ابنَ الله (3). فلما سمع بيلاطس هذا الكلام ازداد خوفاً (4)، ودخل من جديد إلى دار الولاية وقال ليسوع: من أين أنت (5)؟ فلم يَرُدَّ يسوع عليه جواباً (6)، فقال له بيلاطس: ألا تكلُّمُني؟ أما تعلم أنَّ لي سلطاناً أن أصلِبَكَ ولي سلطاناً أن أُطلِقَك؟ فأجاب يسوع. ما كان لك عليَّ من سلطان لو لم يُعْطَ لك من فوق (7). فلما سمع بيلاطس هذا الكلام، أخرجَ يسوع (8). ثم جلس على كرسيِّ القضاء في موضعٍ يقال له ليتُستروتُس، وبالعبرانيّة جَبْعَثا. وكانت تهيئة الفصح، وكان نحو الساعة السادسة. فقال لليهود: هوذا ملكُكم! أما هم فصرخوا: إرفعه ارفعه اصلبه. قال لهم بيلاطس: أَأَصلبُ ملككم؟ أجاب رؤساء الكهنة: ليس لنا ملكٌ غير قيصر (9). حينئذٍ أسلمَهُ إليهم ليُصلَب (10). فأخذوا يسوع ومضوا به، فخرجَ وهو حاملٌ صليبَه إلى الموضع المُسمَّى موضعَ الجمجمة (11)، وبالعبرانية يُسمى الجلجلة، حيث صلبوه وآخرين معه، من هنا ومن هنا ويسوع في الوسط. وكتب بيلاطس عنواناً ووضعه على الصليب (12). وكان المكتوب فيه: يسوع الناصريُّ ملك اليهود. وهذا العنوان قرأه كثيرٌ من اليهود، لأن الموضع الذي صُلِبَ فيه يسوع كان قريباً من المدينة. وكان مكتوباً بالعبرانية واليونانية والرومانية (13). وكانت واقفةً عند صليب يسوع أُمُّه وأختُ أمّه مريم التي لكلاوبا، ومريم المجدلية. ولمَّا رأى يسوع أمَّه والتلميذ الذي كان يحبّه واقفاً قال لأمه (14): يا امرأة هوذا ابنك. ثم قال للتلميذ: هذه أُمُّك. ومن تلك الساعة أخذها التلميذ إلى بيته الخاص. وبعد أن رأى يسوع أن كلَّ شيءٍ قد تمَّ، فأمال رأسه وأسلم الروح. ثم إذ كان يوم التهيئة، فلئلاَّ تبقى الأجساد على الصليب في السبت، لأن يوم ذلك السبت كان عظيماً، طلب اليهود من بيلاطس أن تُكسَرَ سوقُهم ويُذهَبَ بهم، فجاء الجند وكسروا ساقَي الأول وساقَي الآخر الذي صُلِبَ معه، وأما يسوع فلما انتهوا إليه ورأوه قد مات، لم يكسروا ساقيه، لكنَّ واحداً من الجند فتحَ جنبه بحربة. فخرج للوقت دمٌ وماء، والذي عاين شهِدَ، وشهادتُه حق.


الرسالة (1 كورنثس 1: 18- 24)

 

مقدمة الرسالة (المزمور 98: 5 و1)

ارفعوا الربَّ إلهَنا واسجدوا لموطئِ قدمَيه، فانه قدّوس.

الربُّ قد ملك فلتسخطِ الشعوب، هو جالسٌ على الشروبيم، فلترتجف الأرض.

 

الرسالة (1 كورنثس 1: 18- 24)

يا إخوة، ان كلمة الصليب عند الهالكين جهالة. وأما عندنا نحن المخلَّصينَ فهي قوَّة الله. لأنه قد كُتِبَ: سأُبيدُ حكمةَ الحكماء، وأرذلُ فهمَ الفهمَاء (1). أين الحكيم؟ أين الكاتب؟ أين مِحجاجُ هذا الدهر؟ أليس الله قد جَهَّلَ حكمة هذا العالم؟ فانه إذ كان العالم، وهو في حكمة الله، لم يعرف الله بالحكمة (16)، حَسُنَ لدى الله أن يخلِّصَ بجهالة الكرازة الذين يؤمنون، لأن اليهود يسألون آيةً، واليونانيين يطلبونَ حكمةً، أما نحن فنكرز بالمسيح مصلوباً، شكّاً لليهود وجهالةً لليونانيين، أما للمدعوّينَ، يهوداً ويونانيين، فالمسيحُ قوةُ الله وحكمةُ الله.

 

هللويا (المزمور 73: 2 و12)

أُذكُر جماعتَك التي اقتنيتها منذ القديم، لقد افتديتَ صولجانَ ميراثك.

أما الله فهو ملكُنا قبل الدهور، أجرى الخلاص في وسط الأرض.


شرح الإنجيل والرسالة

 

(1) رأى الرؤساء والشيوخ أن يسوع فريستهم البريئة سيُبرَّئ وسيُعتق من الموت، لذلك عادوا إلى الإلحاح على صلب يسوع.

(2) لا يزال بيلاطس في تردده في أمر صلب المسيح. جابَهَ اليهود بهزء وسخرية هكذا: خذوه أنتم واصلبوه إذا استطعتم ذلك، لأني أنا لا أجد علّة تستوجب موته.

هذه ثالث مرة يصرّح بيلاطس بمثل هذا القول. (يو 18/38 و 19/4).

(3) عرف اليهود أن لا قدرة لهم على صلب المسيح، وكذلك اقتنعوا أن بيلاطس لن يتركهم يذهبون في حقدهم إلى المدى الذي يريدون. فغيّروا الأسلوب واتّبعوا تخطيطاً آخر يعتمد على الجريمة الدينية. وتودّدوا إلى بيلاطس متذرّعين بأن الرومان، وهو ممثلهم في فلسطين، يحترمون شرائع اليهود. والحال، أن الشريعة اليهودية تحكم على الإنسان بالموت إذا تجرّأ فجعل نفسه مساوياً لله، أو ابناً له.

أجمعَ الإنجيليون على أن ترديد المسيح تسمية نفسه ابن الله، فهمه اليهود في هذا الإطار أي انه تجديف. وقد سبق لسفر الأحبار في الفصل (24/16) فحكم على المجدّفين بالرجم. لكن الرومان ألغوا كل عقوبات الموت التي كان يحكم بها اليهود وحفظوا حق إصدارها وتنفيذها لهم فقط، إنما أبدلوها كلها بالصلب.

(4) خاف بيلاطس لأن هذه العلّة التي بسطها اليهود تضعه وجهاً لوجه في حرب مع اليهود في مسألة دينية.

(5) هذا السؤال ينمّ عن رغبةٍ فضولية لمعرفة أبعاد هذه الكلمة "ابن الله".

(6) هذا الصمت أزعج الوالي الروماني وأغضبه، لأنه لم يصادف خلال ممارسته السلطة إحجاماً عن الجواب وإمعاناً في اللجوء إلى الصمت عند كل سؤال.

وبدأ يشرح ليسوع مدى سلطته عليه، خصوصاً سلطة أن يعتقه أو أن يصلبه كما يريد.

(7) أجاب يسوع بهدوء "ما كان لك عليَّ من سلطان لو لم يُعطَ لك من فوق".

لا يجب أن تعطى هذه الآية أكثر مما يجب أن تعطى من أبعاد. فالمعلم لا يتكلم عن السلطة الزمنية أو السلطة القضائية ومصدرها، بل عن واقعٍ يعيشه بيلاطس وهو انه والٍ على اليهودية كلها. وهكذا نفسّر الآية: بأنّ لا قدرة لبيلاطس على يسوع لولا الإرادة الإلهية التي رتّبت منذ الأزل موت المسيح وصلبه على أيدي اليهود.

(8) بعد هذا الجواب البسيط والهادئ قرّر بيلاطس إطلاق يسوع، وأخذ يعمل بكل الوسائل للبلوغ إلى هذه الغاية.

(9) جرّب اليهود الضغط على بيلاطس بواسطة العامل الديني فلم ينجحوا. فجرّبوا الآن التخويف والتهويل.

صرخوا وقد دعا بيلاطس يسوع ملكاً أن لا ملك عليهم إلاّ قيصر؛ وإذا كنت تحبُّ قيصر فلا يجوز لك إطلاق سراح يسوع لأنه جعل نفسه ملكاً. أجمعَ المؤرخون على وصف بيلاطس كما يلي: "طبع حاد يبلغ في القساوة حدّ الشراسة الوحشية، ضعيف الإرادة، متقلّب الرأي، صغير النفس، محبّ للمركز والسلطة، يهمّه رضى القيصر أكثر من رضى ضميره."

(10) حينئذٍ رضخ بيلاطس لطلب اليهود فأسلم يسوع ليُصلَب. ان اليهود أصابوا الهدف وعرفوا كيف يؤثّرون على بيلاطس.

ففي 14 نيسان في تمام الساعة السادسة أي ظهراً، جلس بيلاطس على كرسي القضاء في الموضع المسمّى باليونانية ليتروستروس وبالعبرانية جبعثا وأصدر حكمه بصلب يسوع.

(11) لا ضرورة للذهاب بعيداً في شرح موضع الجمجمة فيُقال مثلاً أن صليب المسيح غُرس في المكان نفسه الذي طمرت فيه جمجمة آدم؛ أو انه في موضع تكثر فيه الجماجم. ويذهب الأب لاغرنج في شرح هذه الكلمة إلى التأكيد أن كلمة جمجمة تعني المعنى نفسه الذي تعنيه كلمة رأس العربية. فهذا الموضع هو مرتفع كالجمجمة في رأس الإنسان.

(12) كان العادة عند الرومان أن يسجَّل الحكم على ورقة ويُقرأ على صوت عالٍ ثم يُعلَّق على الصليب.

(13) كان القانون الروماني الجزائي ينصّ بأن يحمل المحكوم عليه آلة عذابه وموته. وكان الصليب يتألف من خشبة أُفقية وأخرى عمودية، والمسيح حمل فقط الأفقية وهي تزن 20 كلغ، والصليب كله يزن 70 كلغ. وكان يشبه الصليب تشابك خشبتين كحرف T.

ومن التقاليد الرومانية أن يُعلَّق فوق رأس المصلوب السبب الذي من أجله صُلِب. ولهذا كتب بيلاطس بالعبرانية واللاتينية واليونانية: ملك اليهود.

الصلب كان العقاب الذي ينزله الحكام والقضاة على العبيد، والغرباء المذنبين بالقتل أو القرصنة أو السرقة أو الثورة. وكان أعظم الأعذبة وأقساها.

(14) لا يذكر القديس يوحنا حوادث كثيرة رافقت صلب المسيح مثل مساعدة سمعان القيرواني، وبكاء نساء أورشليم، وتقديم الخمر الممزوج بمُرّ، وشتائم اليهود؛ بينما هو يذكر حوادث أخرى لا يرد ذكرها عند سائر الإنجيلبين، مثل عنوان الصلب، وحديث المسيح مع أمه وهو على الصلبب، وقسمة الثياب والرداء، وطعن الجنب بحربة.

(15) في اشعيا 29 /14.

(16) يقول أن العالم اعتماداً منه على حكمته لم يعرف الله، مع ان الله ظاهر لأعينهم في مظاهر حكمته السامية المتجلية في الخلق. وما ذلك إلاّ لأن حكمة البشر زائلة.


عِظَة

 

1- نظرة أولى إلى العذاب

يوجد أنواع كثيرة يتألم منها الإنسان. ففي نفسه وقلبه وجسده تتراكم المحن والآلام، حتى ليصرخ كيسوع في ساعة نزاعه: "يا أبتِ نجِّني من هذه الساعة." (يو 12/27).

ما أمرَّه وجع القلب، وما أضناه ألم النفس.

ما أكثر المتألمين في هذا العالم: المرضى، الحزانى، البائسون، القلقون، المرهقون، المشرّدون، المضطهدون...

إن أنَّاتهم تتعالى فوق السحاب، وزفراتهم تشقّ عنان السماء؛ وفي كل يومٍ تُسكب دموع وتُسفك دماء من الجموع المعذبة.

وراح الناس يتساءلون عن سرّ العذاب، فتعدّدت الحلول واختلفت المذاهب وتضاربت الآراء.

قالت الرواقية: أفضل حلّ للعذاب هو الاستخفاف به والتسامي عليه.

وقالت المانوية: إن ثمّة إلهين قديرين، أحدهما يكتب الخير والآخر الشرّ والألم.

وقالت الجبرية: إن ثمّة قدرة غاشمة تُدعى القَدَر تسيِّر الإنسان رغماً عنه.

وقال المؤمنون بالله: أيليق بالإله الخالق الكامل أن يترك خليقته تتعذّب.

ثم جاء أيوب فطرح مشكلة الألم بملحمةٍ شعرية لا أسمى ولا أرقّ.

وهكذا يبين أن الألم سرّ رهيب لا يمكن شرحه ولا فهمه. فقط يمكن فهم أبعاده ومعناه الحقيقي.

سرّ بعيد الغَور، وصعب الإدراك، ومرهق للإنسان.

 

2- معنى العذاب

نشعر بكرهٍ للعذاب، ويأبى فكرنا قبوله كبذرة خير.

وتجاه الألم لا يفيد كثيراً قراءة المحاضرات وإنشاد القصائد، ومراجعة الأدب الرفيع. فهي لم تبعث يوماً الفرح في قلب إنسان متعذب.

في الإيمان بفائدة العذاب فقط يكمن سرّ الاحتمال والصبر.

ولكي يستفيد الإنسان من العذاب لا بدّ أن يقف تجاهه موقفاً إيجابياً بعيداً عن التباكي (Dolorisme) وعن المصادمة (Stoicisme).

قال الكردينال مرسيه: Per Crucen ad Lumen : "الصليب هو الطريق إلى النور."

وفي الحقيقة، الإنسان البعيد عن الله وعن الإنسان لا يفهم معنى العذاب. لذلك يقف موقف رافضٍ وثائر عليه.

قال أناتول فرانس في كتابه: (Jardin d’Epicule) "في عالم انطفأ فيه كل إشعاع إيماني يفقد الشرّ والعذاب كل معنى لهمَا؛ ولا يظهران آنئذٍ إلا بمظاهر تستدعي السخرية وتشير إلى قوة كامنة وشريرة."

لكن رغم كل المواقف الرافضة التي يقفها الإنسان تجاه الألم، يبقى الألم:

"مخبراً عن وجود الله بشكل محسوس؛

زرعاً قاسياً يبذره الله في نفس الإنسان؛

لمسةً تفجِّر ربما التوبة والقداسة؛

نوراً يجعل الإنسان يرى قريبه بعيون جديدة؛

ومدرسةً يصقل فيها الإنسان عقله، ويصوغ قلبه قلباً حكيماً؛

وهو يجعل الإنسان أخيراً إنساناً فاديا."

(عن أيام إبن الإنسان)

 

3- وقفة الإنسان أمام العذاب

ان مشكلة الألم كانت ولا تزال أعظم المشاكل الاجتماعية. وهي العقبة الكأداء التي حاول الفلاسفة والعلماء حلّها وتخطِّيها. وكان الألم في جميع حقبات التاريخ موضوع جدل حامي الوطيس. وعبثاً حاول الحكماء والفلاسفة أن يجدوا للعذاب حلاً مقنعاً فلم يفلحوا.

حلموا بآراء، وخططوا لمذاهب، وأشعلوا ثورات هنا وهناك من بقاع الأرض الواسعة فلم يوفقوا.

خلقوا المدن الفاضلة حيث لا تعب ولا وجع؛ إنما كانت هذه المدن أضغاث أحلام يستحيل أن تُبنى على أرضنا هذه.

وتمضي الأيام فالآراء كلها تبخرت، والمذاهب طُمست ودرست، والثورات هدأت، ونير الألم الثقيل لا يزال يرهق كاهل الإنسان ويلازمه من يوم مولده إلى يوم يغيب في القبر.

إن التعاسة لا تزال تعايش الإنسان، والعوز يرافقه، والحاجة تضايقه، والمرض يماشيه، والألم يجابهه ما دام على الأرض.

وفي نظر الفلسفة البشرية اعتبر الألم حادثاً حسيّاً غامضاً لا يمكن شرحه. هو سرّ خفي على عقول البشر.

ونسأل هل الألم ذاته هو شرّ؟

ونجيب بتأكيد كلاَّ وحاشا.

إننا نرى المريض يتحمّل بملء اختياره عملية جراحية وما يرافقها من الآلام لأنه يرجو أن يستعيد من وراءها الصحة؛ والجندي يفرح لجرحٍ أصابه في ساحة الحرب إذا خرج من المعمعة ظافراً حاملاً شارات الظفر والانتصار؛ والأم تغتبط رغم وفرة أوجاع المخاض إذ تفكر أنها بعد الضيق ستضمّ بين يديها ولداً هو ثمرة أحشائها.

إن الناس ينفرون ويتذمرون من وطأة الألم إذا كان الألم عقيماً، وإذا كان الألم الذي يقاسونه لا يرجون منه مجداً أو تعزية أو شفاء أو نجاحاً.

عندما نواجه شخصاً لا يؤمن بالله وهو يتعذب لا نقدر إلاّ أن نبدي له الاحترام. فقد فَقَدَ العون الذي يمكِّنه من فهم معنى العذاب وبُعده الروحي. فلا مجال لإلقاء مواعظ ومحاضرات ليستفيد منها.

أجمل موقف تجاه هؤلاء هو موقف المشاركة (Sympathie) والصلاة.

قال كلوديل في كتابه: «IL est trop dur de souffrir: et de ne savior a quoi bon. “Annonce a Marie”

Heureux celui qui souffre et qui sait a quio Bon»

 

4- كيف يتحوّل العذاب

ارتضى يسوع أن يأتي إلى أرضنا هذه ليفدي الإنسان بالألم. وكانت هذه اللفتة الكريمة والعظيمة سبيلاً لتغيير مفهوم الألم. فقد كان حُكِمَ على الإنسان أن يئنّ في وادي الدموع ويتألم و يموت. وكانت هذه الآلام المختلفة توطئة لآلام أشد هولاً تنتظر الإنسان في العالم الآخر.

لكن المسيح غيّر المواقف وبدّل المصائر فأصبحت، من بعد موت المسيح وقيامته، أتعابنا وآلامنا ومشقّاتنا مقصورة على هذه الحياة ومعتبرة كجزيةٍ تعصمنا من الألم العتيد وتجعلنا خالدين وإلى الأبد سعداء.

وعمل المسيح أكثر مع الإنسان الذي أحبّه حتى الموت. فإن الآلام والأعذبة التي يصادفها في هذه الحياة على الأرض تبدّلت طبيعتها فلم تعد عاراً ولا نيراً ثقيلاً لأن إبن الله خضع لها ولطّف قسوتها وخفّف من شدّتها وقدّسها وجعلها مبدأ لعظمة الإنسان وسبباً لسعادته.

وهكذا خلق يسوع عالماً آخر جديداً.

لقد شفى أمراض الإنسان وآلامه لا بالقضاء عليها بل بتحويلها من حاله إلى حالة أفضل.

علَّمنا أن نجد الغنى في الفقر، والمجد في المذلّة، والفرح في الألم والحياة في الموت.

وذهب أكثر من ذلك فجعل الألم مصعداً إلى المجد والسعادة.

هذه الثورة التي قام بها المسيح نجحت لأن المسيح قضى على الأنانية التي هي مصدر شرور الإنسان وغرس مكانها المحبة.

وقد لخّص تعليمه عن هذا التحول والتغيير في الإنجيل الذي ركز على ضرورة الكفر بالنفس وعلى ضرورة الألم لأنه الطريق الوحيد الذي يوصل الإنسان إلى الخلاص. "مَن أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني". (مر 8/34). "ومَن أراد أن يخلّص نفسه يهلكها، ومَن أهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل فهو يخلصها." (لو 9/24).

 

5- المسيح والألم

إن المسيح جرّد الألم من الصفات التي تنفّر الإنسان منه وتخيفه.

يسوع هو أمهر طبيبٍ داوى أمراض وآلام البشرية وأرحم معزٍّ آسى النفوس المتألمة.

فقد حوّل الألم العقيم إلى ألم خصيب ومعطاء.

ان النعمة التي أفاضها المسيح بقوة آلامه وعذابه تدخل معها إلى قلب الإنسان نوراً يضيء حياته ويكشف له حقيقة القيم التي يعتنقها ومنها قيمة الألم.

وبهذه الرؤية الواضحة تتبدّل الآلام وتضحي تكفيراً عن الذنب وتستحق لنا الأجر والثواب.

إننا ننظر إلى آلام المسيح نفسه. لقد كانت فداء للعالمين، ومدخلاً إلى الفردوس وسبباً للخلود.

عدا ذلك كان الوثنيون القدامى يحتقرون البؤساء ويكرهون العيش معهم ومساكنتهم؛ وكانوا ينظرون إليهم نظرتهم إلى أناس عاقبتهم السماء ولاحقتهم الأقدار.

وكذلك كان تفكير اليهود: "مَن أخطأَ أهذا أم أبواه حتى وُلد أعمى." (يو 9/1).

فجاء يسوع يصلح فساد هذه الاعتقادات فأعلى مكانة الألم ورفع قدر البؤس.

ان الكنيسة بنَت أجمل ما في المدن بيوتاً للبؤساء والتعساء والمتألمين.

ألم يطلعنا التاريخ عن سيدات ونبيلات عظيمَات، وعن ملوك تواضعوا فخدموا الفقراء والبؤساء والعجَّز.

ان أولئك الملايين من الناس الذين انضووا تحت راية الفقر والهوان والآلام علَّموا البشرية أن المجد الأثيل للإنسان هو أن يتألم في صفوف قائد على رأسه اكليل شوك حاد، وعلى جسمه أرجوان عار، وقد صُلب على خشبة الصليب "وملعون كل من علِّقَ على خشبة." (غلا 3/13).

ان المسيح صيّر العذاب شهياً ولذيذاً.

يشعر الإنسان بنفور من الألم ويتهرّب منه ويرفضه؛ لكن كم من المسيحيين هفَّت قلوبهم إلى الألم وأسرعوا إليه بحميّة واقتبلوه بلذّة وإحساس وشعور روحي عظيم.

هناك وقائع ذكرتها لنا حياة القديسين. وهي تثير الدهشة والعجب. وكم نرى في أيامنا الحاضرة من مسيحيين يقبلون العذاب بفرح ويرضون بالذل ويتحمّلون آلام التشرّد والنفي والاضطهاد والتعذيب المختلف الأنواع بصبر وفرح.

"أنا فائض بالفرح في جميع مضايقي.." (2 كور 7/4).

سبب هذه الصلابة أمام الألم هو إيمان الإنسان بمساعدة فاديه السخية والحقيقية.

وسبب فرحه أن المسيح تألم مثله وجعل من الألم طريقاً إلى السماء.

 

6- وقفة أمام المصلوب

شدّد الرسول بولس على أن سبب افتخاره هو صليب المسيح. "حاشى لي أن أفتخر إلاّ بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به صلب العالم لي وأنا صلبت للعالم." (غلا 6/14).

وهل يجوز للمسيحي أن يفتخر بخشبة.

ان سبب افتخارنا هو المحبة العظيمة التي قد سُكبت عليه.

هي محبة غريبة وعظيمة. فالناس يحبّون ليبادلهم الناس الحب، ولطمعٍ في علاقة طيّبة مع الآخرين، ولرغبة في المبايعة والاتباع.

لكن محبة المسيح هي محبة تفوق الوصف ولهذا هي تستحق أن يُفتخر بها وأن تعلن وتشهر.

وهذا الصليب يوضح لنا طريقة الحب التي انتهجها الله مع الإنسان.

فهو لم يبذل دراهم، ولا مجاملة ولا كلاماً معسولاً، ولا إغراء. الله بذل دمه لأجلنا على الصليب.

ولهذا نحن نفتخر بالصليب.

فهو انعكاس محبة المسيح على حياتنا. فكل ضعف وكل مرض وكل قهر هو افتقاد الله لنا، وهو محبة منه، وهو رفق بنا.

وهكذا يرتفع الصليب ليس على قمة الجلجلة بل على قمة قلوبنا.

كل مسيحي يريد أن يتبع المسيح، يأتي إلى الكنيسة، فتقيّد اسمه في سجلاتها. ونظن أن الدين كله يقوم بطقوس نتّبعها وبشعائر أو تقاليد نلتزم بها، أو بإحسان نتصدّق به على الفقراء.

ليست الديانة مراسم واشارات وصلوات وأناشيد أي أشياء لا تكلفنا شيئاً من الألم والحرمان الذاتي؛

بل هي صليب نحمله بكل التزام وإيمان.

إنجيل المسيح طلب تغييراً في الداخل. ولهذا لم يطلب فقط تغييراً يبعدنا عن المال فقط، وعن الراحة وعن الأصدقاء والأقارب وعن كل شيء آخر، بل طلب أن نكفر بأساس كل هذه وهو أنفسنا والحياة نفسها.

فالحياة المسيحية كما تبين عند كثير من المسيحيين هي حياة ممسوخة ومشوَّهة.

المسيحية الحقّة هي صراع بين المسيح وبين أنانيتنا. وأنانيتنا هي المال الذي نتمسك به، والمجد الذي نسعى إليه، والحب الذي يدغدغ مخيّلتنا وفكرنا، والصداقة التي نرتاح إليها، واللذة التي تسيطر على توجهنا؛

وهذا ما يطلب منا المسيح أن نصلبه أي أن نكفر به.

المسيح جاء ليضرب الأساس والعمق: "أتيت لأُفرِّق الإنسان عن أبيه وأمه... جئت لألقي سيفاً.. ملكوت الله يُغصَب ويختطفه فقط الأبطال الغاصبون..."

في هذا أصل الشرّ الذي يبعدنا عن الله ويفصلنا عنه. ويسوع يضرب الجذور ليقتلع أصل الخطيئة التي هي الشهوة.

"إن فطنة الجسد هي عداوة لله." (رو 8/7) وكذلك "محبة العالم هي أيضاً عداوة لله." (يع 4/4).


سنكسار: رفع الصليب الكريم المحيي في كل العالم

 

يخبرنا التاريخ الكنسي أن القديسة هيلانة، والدة الامبراطور قسطنطين الكبير، وجدت بالقرب من الجلجلة، الصلبان الثلاثة التي مات عليها المسيح الفادي واللِّصَّان رفيقاه. وان الأسقف مكاريوس الأورشليمي اهتدى إلى تمييز صليب المخلّص عن الصليبَين الآخرين بفضل أعجوبة تمَّت على يده، إذ انه أدنى الصلبان الواحد تلو الآخر من امرأة كانت قد أشرفت على الموت، فلم تشفَ إلا عندما لمست صليب السيّد له المجد.

بقي العود الكريم في كنيسة القيامة حتى 4 أيار سنة 614، حيث أخذه الفُرس بعد احتلالهم المدينة المقدسة وهدمهم كنيسة القيامة. وفي سنة 628 انتصر الامبراطور هرقليوس على كسرى ملك فارس وأرجع على كتفه العود الكريم وسار به في حفاوة إلى الجلجلة، وكان يرتدي أفخر ما يلبس الملوك من ثياب، والذهب والحجارة الكريمة في بريق ساطع. إلا أنه عندما بلغ إلى باب الكنيسة والصليب على كتفه، أحسّ قوة تصدّه عن الدخول. فوقف البطريرك زكريا، وقال للعاهل: حذارِ أيها الامبراطور! إن هذه الملابس اللامعة وما تشير إليه من مجد وعظمة، تبعدك عن فقر المسيح يسوع، "ومذلّة الصليب". ففي الحال، خلع الامبراطور ملابسه الفاخرة وارتدى ملابس حقيرة وتابع مسيره حافي القدمين حتى الجلجلة، حيث رفع عود الصليب المكرّم، فسجد المؤمنون إلى الأرض وهم يرنِّمون: "لصليبك يا سيّدنا نسجد، ولقيامتك المقدسة نمجّد".

في كنيسة القيامة اليوم يكرّم الموضع الذي وجدت فيه القديسة هيلانة الصليب الكريم. وهذا الموضع كان في عهد السيد له المجد حفرة كبيرة في الأرض، ردمها مهندسو قسطنطين الملك وأدخلوها في صميم الكنيسة الكبرى بمثابة معبد، هو في الواقع مغارة كبيرة تحت سطح الأرض.

في القرن السابع نقل جزء من الصليب الكريم إلى رومة، وقد أمر بعرضه في كنيسة المخلّص، ليكون موضوع اكرام المؤمنين، البابا الشرقي سرجيوس الأول (687- 701).

إن لعيد الصليب الأهمية الكبرى والمحل الممتاز في سلسلة الأعياد على مرّ السنة الطقسية، سواء في ذلك الشرق والغرب. هو تجديد ليوم الجمعة العظيمة في أسبوع الآلام. غير انه بينما يعيش المؤمنون في يوم الجمعة العظيمة ذكرى الفداء بدم المسيح وموته على الصليب، بوصفه حدثاً تاريخياً، ينظر المؤمنون اليوم إلى الصليب محاطاً بهالة المجد والغلبة، مجد المسيح والمسيحية، وغلبتهمَا، عبر التاريخ، على قوى الشرّ.

تذكِّرنا الكنيسة المقدسة في الفرض الإلهي برموز العهد القديم التي تشير إلى الصليب، وأهمّها: شجرة الفردوس، علَّة هلاكنا، بينما الصليب هو آلة خلاصنا؛ وفلك نوح التي ما خلص بها سوى الأبرار، بينما الصليب يشمل الجميع، خطأة وأبراراً، في فدائه؛ ويعقوب الذي صلَّبَ يديه ليبارك حفيديَه، ابني يوسف؛ وموسى الذي مدَّ يديه وفتح بهمَا في البحر الأحمر طريقاً لاسرائيل، وحلّى بالعود مياه مرّان المرّة، وضرب الصخرة بعصاه فتفجّرت منها المياه حياةً

للشعب، وصلّى فاتحاً ذراعيه، لينتصر الشعب الاسرائيلي على عماليق؛ وعصا هارون التي أورقت؛ والحيّة النحاسية؛ ووقوف الشعب في شكل صليب حول تابوت العهد، إلى غير ذلك من الرموز التي يكاد يراها الكتبة الكنسيون القدماء في كل صفحة من صفحات العهد القديم.

إن الصليب هو حضن الكنيسة وفخر المؤمنين، وإنْ نظر إليه غير المؤمنين كإلى أقصى الجهالة.

بعد الصليب، لم يعد الألم، في حياة الإنسان، ذلك القَدَرَ الغاشم الذي يسحقنا ويثيرنا. بعد الصليب أصبح الألم محنة الحب، وتشبُّهاً بالفادي، وتنقيةً من الخطيئة، واشتراكاً بفداء البشر، وسبيل الإنسان إلى قمة مجد السماء.

 

الطروبارية على اللحن الأول

خلِّصْ يا رب شعبَكَ وبارك ميراثَك، مانحاً ملوكَنا الغلبةَ على البربر. واحفظ بصليبِك رعيَّتك.

 

القنداق على اللحن الرابع

يا مَن رُفِع على الصليب طوعاً، أيها المسيح الإله، إمنحْ رأفتك لشعبك الجديد الملقَّب باسمِك. فرِّحْ بقدرتِك ملوكنا المؤمنين. مانحاً إياهم الغلبة على محاربيهم. لتكن لهم نُصرتُكَ سلاح سلامٍ وشعار انتصار.

 

ترنيمة الدخول (المزمور 98: 5)

ارفعوا الربَّ إلهنا واسجدوا لموطئِ قدميه، فانه قدّوس.

خلّصنا يا ابنَ الله، يا من صُلِبَ بالجسد، نحن المرنِّمين لك هللويا.

 

النشيد لوالدة الإله على اللحن الثامن

يا والدة الإله، أنت الفردوس السرّي، إذ انكِ أنبتِّ المسيح بغير فِلاحة، الذي به نُصِبَتْ في الأرض شجرةُ الصليب الحامل الحياة. فالآن نسجُدُ له مرفوعاً، وإيَّاكِ نعظِّم.

 

ترنيمة المناولة (مز 4/7)

قد ارتسمَ علينا نور وجهك يا رب، هللويا.


شذرات من الآباء الشرقيين: نور الصليب - لأبيفانوس

 

ماذا؟ ما هذا السكوت العميق اليوم على الأرض؟ سكوتٌ وعزلة! لأنَّ الملك العظيم رقد. الأرض تستجم خائفة، لأنَّ الله رقد بجسده ليوقظَ الذين يرقدون منذ بدء الأجيال...

لقد غاب المسيح الشمس الإلهية وغرق اليهود في الظلام. اليوم تمَّ الخلاص للذين على الأرض وللذين خرجوا من العالم وهم تحت الأرض. اليوم تمَّ الخلاص للعالم كله المنظور وغير المنظور... فلننزلْ مع المسيح ولنتأمَّلْ إلى جانبه السرَّ الخفي الذي يتم... اصغِ إلى معنى آلام المسيح العميق. اصغِ ورنِّم نشيدَ المجد. اصغِ واحتفل بعجائب الله. انظرْ كيف تذبُلُ الرموز وتتوارى الظلال، كيف تنسحب الشريعة لتُفسح للنعمة مجالاً للإزهار؛ وكيف تملأُ الشمس الأرض، وكيف إذ أُلغي العهد القديم قام الجديد، وكيف مرَّتِ الأمور القديمة وتفتَّحت الجديدة.

شَعبانِ التقيا في صهيون اثناء آلام المسيح: شعب اليهود والأمم؛ مَلكان: بيلاطس وهيرودوس؛ ورئيسان للكهنة: حنان وقيافا، لكي يُحتفل بالفِصحين سوية: الأول للمرَّة الأخيرة والآخر وهو فصح المسيح للمرة الأولى. ذبيحتان قُدِّمت هذا المساء عينه... اجتمع الشعب اليهودي ليذبحَ حملاً؛ والشعب الوثني ليذبحَ الإله المتأنس. كان الأول لا يزال يحدِّق في الظل يُسارع نحو الشمس نحو الله عينه، الأول يُعيدُ إلى ذاكرته إنقاذه من مصر والآخر يتهيّأ لأن يحتفل بتحريره من الضلال...

(الموعظة عن سبت النور والقيامة)


شذرات من الآباء الشرقيين: الصلب - للقديس افرام

 

لقد نَصبوا صليبَه عَياناً على تلَّة،

ثم نزلوا فجلسوا عند أقدامه.

فبهذا الرمز صوَّروه جالساً على عرشه

بينما هم موطئٌ لقدميه،

الجلجلة مرآة لكنيسته

التي بناها على ذروة الحق.

واليوم واضحٌ أنه هو الذي

ثبَّتَ البيعة على الجلجلة.

طوباكَ يا مَن حَظيتَ باسم يوسف البار

لأنك دفنتَ سيِّدَ الحياة الميت.

لقد أغمضْتَ عيون الساهر

الذي أنام نفسه ليسبيَ منزل الأموات

الويلُ للموت لأنَّ الساهر الذي نام

قد قهر سلطانه.

طوباكَ أيها القبر الفريد

فإنَّ النور الوحيد قد تجلَّى فيك!

وفي داخلك تنقَّى الموت المتعجرف

لأن الحيَّ الذي مات ولَجَ إليك.

طوبى لأحشائكَ

التي فيها سُدَّ ذلك الفم

الذي يبتلع الكلَّ ولا يشبَع.

فالملائكةُ الذين ابتهجوا بانبعاثِكَ

قد زيَّنوا بابَك بالأنوار.

إنَّ قبرَ المسيح والبستان رمزٌ لجنَّة عدْن،

التي فيها مات آدم موتاً خفيّاً

حيث هرَبَ وتخبَّأَ بين الأشجار

وكمَنَ إلى القبر، دَخَلَ واستتَر.

إنَّ الحيَّ الذي دُفن في البستان

أقام بقيامته ذلك الذي سقَطَ في الجنة،

فنقله من قبر الجنَّة إلى عرس الفردوس

حيثُ المجد.

لقد صُلبَ المسيح، يا لَلسرِّ! بين لصَّين:

واحدٌ منهمَا كان يجدِّفُ عليه والآخر كان يعترف به.

هوذا السرُّ قد تجلَّى:

فشعب اليهود يهزأُون بالمسيح،

واليوم سائر الشعوب يعترفون به.

في الصمت سَخِرَ المسيح من اللصِّ الكافر

أما اللصُّ المؤمن فأثنى عليه المسيح

وجميع تلاميذه يُعظِّمونه.

طوباكَ أيها المكان الذي تأهَّلتَ

لأنْ يسقُطَ فيكَ عرَقُ الابن.

إنَّ الابنَ باركَ الأرض بعرقِهِ

ليبطِل عرقَ آدم الذي حلَّ في الأرض.

طوبى للأرض التي طيَّبها بعَرَقه

والتي كانت مريضةً فشفاها

لأنه نضَحَ عرقاً عليها.

مَن رأى قطُّ مريضاً

يتعافى بعرق ليس بعرَقِه!

طوباكَ أيها المكان يا من ابهجتَ بصلواتك جنَّة عدْن.

ففي جنَّة عدْن خالَفَ آدم مشيئةَ خالقه

إذْ قَطَفَ الثمرةَ وأكلها.

وإلى البستان دَخَلَ الابن وصلَّى

ووافَقَ بصلواته الإرادة التي تمرَّدتْ في الجنَّة، حيث قال:

"لاتكن مشيئتي بل مشيئتك".


عِظَة: صلب المسيح - للقديس يوحنا الذهبي الفم

 

نُقيم اليوم عيداً احتفالياً لرفع سيدنا يسوع المسيح على الصليب فلا تعجبوا من احتفالنا بعيد ذكرى لحوادث مؤلمة. لقد كان الصليب سابقاً إسماً للقصاص الشديد. أما الآن فهو اسم للفخر والاحترام.

كان الصليب سابقاً أداةً للعار والعذاب فأصبح اليوم أداةً للمجد والشرف. وهذا ما نتأكده تماماً من كلام سيدنا يسوع المسيح الذي أسمى الصليب مجداً: "والآن مجدني أنت يا أبتِ بالمجد الذي كان لي عندك من قبل كون العالم" (يوحنا 17: 5) إن صليب يسوع المسيح رأس خلاصنا ونبع الخيرات التي لا توصف. بواسطة الصليب حُسبنا في عِداد خراف الله نحن المنبوذين سابقاً، وخرجنا من الضلال، وعرفنا الحقيقة. بواسطة الصليب عرفنا مخلص الكل نحن الذين كنا نعبد الأشجار والحجارة. بواسطة الصليب توصَّلنا إلى حرية الصلاح نحن عبيد الخطيئة سابقاً. الصليب أنارنا نحن الجالسين في الظلمة. الصليب حررنا من الأسر. الصليب صيَّرنا جنوداً في السماء نحن الغرباء. هذه الخيرات كلها قدَّمها لنا الصليب. إذن يحق أن نقيم له عيداً احتفالياً. ولهذا يوصينا بولس الرسول أن نعيِّد قائلاً: "فلنعيِّد لا بالخمير العتيق ولا بخمير السوء والخبث بل بفطير الاخلاص والحق" (كورنثوس الأولى 5: 8) لماذا يأمرنا الرسول المغبوط أن نعيّد لأجل الصليب؟ لماذا صار الصليب سبباً للعيد؟ إن الرسول نفسه يقول: "فانه قد ذبح فصحنا المسيح" (كورنثوس الأولى 5: 7) على الصليب قدمت الذبيحة، وحيث الذبيحة تكون مغفرة الخطايا. هناك المصالحة مع السيد، هناك العيد والسرور. فالحق أن الصليب هو عيدنا وسرورنا لأن فصحنا المسيح قد ذُبح عليه.

أتريدون أن تعلموا تأثيراً آخر للصليب يفوق كل عقل بشري؟ اليوم فتح الصليب باب الفردوس الموصَد وأدخل اللصَّ فيه! كيف يقدر المصلوب المسمَّر على الصليب أن يَعِدَ بالفردوس؟ إسمعوا ما يقوله الرسول شارحاً هذا: "فانه وإن يكن قد صلب عن ضعفٍ لكنه حيٌّ بقوة الله" (كورنثوس الثانية 13: 4) ولكي لا نقع في اليأس إذا نظرنا إلى صفة الصليب يرينا المصلوب قوّته وهو على الصليب، انه ما أقام ميتاً ولا خاطب بحراً، بل جذب بقوّته روح اللص الشريرة. إن محبة سيّد السموات العليا وخيراته لا يقدر على وصفها أي لسان. إن الدخول مع السيّد لأشرَف من الدخول إلى الفردوس! ماذا فعل اللص حتى استحقَّ فجأة أن يدخل الفردوس وهو على الصليب؟ إنه نظر بعين حقارته وبإيمان إلى المصلوب فعرف السيّد السماوي ووبَّخ نفسه بكلمَات موجزة تبيَّن منها أنه يستحق الفردوس: أما نحن فبعدلٍ لأننا نلنا ما تستوجبه أعمالنا. وأما هذا فلم يصنع شيئاً من السوء، وبعد هذه الكلمَات تجاسر أن يطلب منه: "اذكرني متى جئت في ملكوتك" (لوقا 23: 41) قل لنا أيها اللص كيف تذكرت الملكوت، ماذا رأيت الآن؟ فأمام عينيك المسامير والصليب والتهمة والاستهزاء والنميمة. فيجيب أن الصليب عندي علامة الملكوت، لذلك تراني أُسمّي المصلوب ملكاً لأني أراه مصلوباً ولا يموت عن الرعية إلا الملك كما قال: "أنا الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف" (يوحنا 10: 11) نرى الملك الصالح قد بذل نفسه عن رعيته. ولذلك أصرخ إليه كملك: اذكرني متى جئت في ملكوتك.

أتريدون أن تعلموا كيف أن الصليب صار شعاراً للملكوت، وكيف انه تمجّد؟ لقد أخذ السيد الصليب معه وأدخله إلى السماء وسيأتي به معه عند مجيئه الثاني. إسمع ما يتكلم المسيح المخلص عن هذا: من المعلوم أنه سيأتي المسيح الدجَّال قبل مجيء السيد المسيح الثاني. ولكن لا ينغشّ أولئك الذين يفتشون عن المسيح قال السيد: "إنني أُبيّن لكم العلامات عن مجيء الراعي: فمثلمَا يخرج البرق من المشارق ويظهر في المغارب كذلك يكون مجيء ابن البشرمن السماء" (متى 24: 27- 30) إنها لعلامات ساطعة تفوق العقول. الشمس تظلم والقمر لا يعطي ضوءه. الكواكب تتساقط. وفيمَا بعد سيأتي وحده حتى نعلم أن نوره أشد بهاءً من نور الشمس، وضياءه أشد من ضياء القمر. فكمَا أن الجنود تتقدّم الملك حاملة شاراته ومبشّرة بقدومه، هكذا عند مجيء المسيح الثاني ستتقدّمه جنود الملائكة ورؤساء الملائكة حاملين شارات المسيح مبشّرين بقدوم الملك الذي تتزعزع أمامه قوات السماء. لماذا يأتي المسيح ومعه الصليب؟ حتى يتأكد الذين صلبوه حماقتهم وجهلهم. وإذ تظهر علامات ابن البشر ستهتزّ المسكونة كلها لأنها سترى من يكشف الخطايا. وهل من عجب إذا جاء المسيح مع الصليب؟ إنه سيأتي وآثار جراحه ظاهرة كما يشهد نبي الله: "فينظرون إليَّ أنا الذي طعنوه" (زكريا 12: 10) فكمَا أرى جراحه للرسول توما حتى صدق أنه حقاً قام سيرينا أيضاً جراحه وصليبه حتى يُظهر لمن صلبوه انه حقاً ذلك المصلوب. أجل ان هذا لنعمة عظيمة وشهادة واضحة لمحبة الله للبشر آمين.

المطران أبيفانوس


عِظَة: الصليب (من خطبة للقديس يوحنا فم الذهب)

 

1- الصليب:

عليه ترتكز مقدرات الجنس البشري. منه وبه يأتينا كل شيء. يشغل فكر الإله العلي مدى الأجيال. أظهر للبشر برسوم ورموز مدّة أربعة آلاف سنة. ولما بلغ ملء الزمان انتصب على الجلجلة. انه مختصر روائع سر الفداء. هو العَلَم الذي يسير وراءه أبناء الله على مدى الأجيال، هو شارة الخلاص، شرط الانتصار، علامة المختارين؛ هو وحي لكل فضيلة، وعكاز البر والتقوى.

فالصليب إذن يسود على التاريخ البشري. يظهر في العهد القديم برسوم، وهو موضوع كرازة الأنبياء: هذا هو الصليب السابق التبشير به يدنو الزمان الذي فيه ترتفع الضحية العظيمة عليه، وعليه تسلم أنفاسها وتخلص الجنس البشري. هذا الصليب المرفوع هو تحقيق لتلك الرسوم والرموز. إلى آخر الأجيال يجب على المسيحي أن يرافق رئيسه إلى الجلجلة و يموت معه تلك الميتة السرية التي يعلمنا القديس بولس كل الكتاب المقدس ضرورتها وعظائمها الغنية: وهذا هو الصليب المتَّبع والمقتدى به.

ان المقاطع التي وردت في الكتاب المقدّس عن سرّ الصليب كثيرة وهي مسطّرة فيه نبؤات أو رموزاً. لنأخذ من هذه التباشير وهذه الوجوه ما هو أكثر نوراً وشهرة ولنطالعها متّبعين ترتيب الأزمنة.

 

2- الشجرة في الفردوس الأرضي:

نصبت في الأرض شجرتان وحملتا ثمرتين. نصبت في الفردوس الأرضي شجرة معرفة الخير والشرّ وكان من الواجب أن تولي البشرية المجد والسعادة الدائمة بالطاعة لله. لكنها سبّبت الموت باغواء الشيطان وجنون أبوينا الأولين وتصديقهمَا له وطاعته وتفضيله؛ أكل أبوانا الأولان من الثمرة المحرّمة فانفتحت أعينهمَا والتحفا بالخزي وصار حظهمَا الرذل.

هل الله ظهر مغلوباً؟ لا لعمري! بل خلّص الإنسان ودحر الغالب الجهنمي وأجرى الخلاص. ولكي يتم هذا العمل استخدم ذات الوسائط التي ساعدت على السقوط. فنصبت شجرة جديدة حملت ثمرة مثل الأولى، مقدرات الجنس البشري. ان كلمات الشيطان النفاقية اتخذها الله وصارت شرطاً للخلاص ومبدأ لأمجادنا المعجزة البيان. لنأخذ الآن ونأكل من شجرة الحياة ولنتغذَّ من المسيح فنصير آلهة. إذ قد أصبح الصليب بهذا نقطة الانطلاق للخلاص، لنرفع الصليب ولنحمله بأمانة. "لنحمل اماتة يسوع في جسدنا المائت". في هذا القداسة وفي هذا الخلاص.

 

3- ذبيحة اسحق:

لما نطق يسوع بهذه الكلمَات السرية: "رأى ابراهيم يومي وفرح"، كان يشير ولا شك إلى أجمل صورة رسمها الله في العهد القديم ألا وهي ذبيحة الصليب. كما لله ابن كذلك لابراهيم ابن وحيد، وهذا الابن هو ابنه المحبوب، وفي هذا الابن كل المواعيد، وهذا الابن يجب أن يذبحه ابراهيم كما ذُبح ابن الله. يا لشدّة التأثير! اسحق يرتقي الجبل الذي سيذبح عليه حاملاً حطب محرقته، لنشاهد في أحزان القلب الأبوي مثالاً حياً لحب الله غير المتناهي الذي يسلم ابنه الوحيد لخلاص الكل. هذا هو الحمل، الحمل المعتقل في "الجدَّاد"، الذي أصبح ذبيحة لسكين ابراهيم. كيف لا نرى في هذا الحمل الحمل الحقيقي، "الحمل الذي يرفع خطيئة العالم"؟ إذا كانت ذبيحة ابراهيم استحقت لأبي الآباء أجمل الاستحقاقات فماذا لا تفعله للعالم ذبيحة اسحق الحقيقي؟

ونحن لنرتقِ جبل الفضائل، جبل المحرقة والتسليم لله، جبل العذاب، حاملين حطب المحرقة وصليب مخلصنا.

 

4- نبؤة يعقوب المحتضر:

لما كان يعقوب على فراش الموت دعا بنيه وكشف لكل واحد خواص سبطه ولما جاء دور يهوذا ارتفع صوته ونظره وتنبّأ عن المسيح، وعن الخلاص العام المتمم بالصليب، وعن انتصار ابن الله والإنسان الذي حارب العالم بآلامه، وغذّاه بجسده الإلهي، وصبغه بدمه والصائر له موضوع محبة معجزة البيان.

منذ أن أتى ابن يهوذا، الكلمة المتجسد، بدأت العبادة: "يهوذا إياك يحمد إخوتك". هذا هو الهتاف الذي يدوّي بين السماء والأرض منذ أن ظهر المسيح المخلص العالم: "أبناء أبيك يعبدونك".

المسيح هو الله، والسماء والأرض يعبدانه ويسبّحانه. والمسيح أيضاً هو قائد حرب أتى ليناصب الشرّ أشد حرب. كسر شوكة الخطيئة وهدم أركون الشيطان ورفع مملكة لا تُغلَب. "يدك على قذل أعدائك" هذا هو المنتظر، هذا هو القوي، هذا "أسد يهوذا ": "يهوذا شبل أسد".

وكيف تدور هذه الحرب؟ أي سلاح يَستلُّ المسيح للانتصار على الخطيئة والموت والجحيم؟ سلاحه هو الصليب، الانتصار هو بموته؛ وَسَن القبر المخيف هال أعداءه. جثم وربض كأسد وكلبؤة فمَن ذا يقيمه؟ في الصليب قوّته، من نومه تنبع قوّته. ملكه يبتدئ من قبره. ولما قام اقتاد الشعوب إلى ملكه: "رابط بالجفنة جحشه".

وماذا يعمل بهذه الشعوب؟ انه يمجّدها بنوع عجيب، يغسلها بدمه. ويجدّدها بنعمته ويؤلهها بسرّ محبته: "غسل بالخمر لباسه وبدم العنب رداءه".

وسيبقى للسمَاء وللأرض موضوع محبة لا تمحى. جماله يسبي القلوب: "أجمل بني البشر". سيبقى محبوباً إلى الأبد: "عيناه أشدّ سواداً من الخمر".

 

5- الحيّة المرفوعة في القفر:

يكشف لنا المسيح نفسه معنى هذا الرمز وماذا كانت تعني تلك الحيّة النحاسية التي أمَر الله موسى برفعها في البرية.

ان القفر الذي كان يجتازه بنو اسرائيل قبل وصولهم إلى أرض الميعاد هو رمز للحياة الحاضرة، الحياة الممتلئة عذاباً متصلاً وتعباً وأخطاراً. كل مدة سير اليهود في البرية كانوا يعصون أوامر الله، على حسب ما نعمل نحن في هذه الحياة، فكانت تلحق بهم العقوبات. أرسل لهم الله حيّات فلسعتهم لسعات مميتة ونحن تلسعنا شهواتنا لسعات حادّة ونموت بخطايانا. ومن أين أتى الخلاص لاسرائيل؟ أمر الله موسى بأن يرفع صليباً ويعلق عليه حيّة نحاسية. فكان كل من نظر إليها نظرة إيمان وثقة يجد النجاة. على الحقيقة أنه لرمز عجيب. ان الحية النحاسية لم يكن لها غير شبه الحية السامّة دون المادة السامّة. ويسوع المسيح المعلّق على الصليب والمرتفع عن الأرض يظهر ويري ذاته لجميع الجنس البشري. يكفي النظر إليه للفصل بين الحياة والموت. النظر إليه بإيمان هو الحياة. امتهانه والاعراض عن صليبه هو الموت.

 

6- موسى على الجبل يرفع يديه بهيئة صليب:

ان الرسم السابق أرانا قوة الصليب الكلية الاقتدار عندما نهلك بأذية الخطيئة المميتة. وموسى باسطاً يديه ومصلِّياً على الجبل يصوّر لنا قوة الصليب ضد الأعداء المهاجمين.

يشوع يحارب في السهل، اسرائيل يتراجع، وعماليق ينتصر. أما موسى، الصورة الممتازة للسيد المسيح، فيقدّم ذاته لله كذبيحة، و يمثّل بهيئته وصلاته الذبيحة المنتصرة، ذبيحة المسيح المصلي والمائت على الصليب.

الأب جورج غبريل ب. م.

الرسالة المخلصية، 1958، عدد 8


قراءات 1: من أقوال القديس يوحنا الدمشقي في الصليب

 

الأرشمندريت أدريانوس شكّور

1- قوة الصليب حصيلة التجسّد الإلهي

وعليه فإن عبادة الأصنام قد زالت، والخليقة تقدّست بالدم الإلهي، وهياكل الأصنام ومعابدها قد انهدمت وانغرست المعرفة الإلهية بالثالوث المتساوي الجوهر، وقامت العبادة للاهوت غير المخلوق، لله الواحد الحقيقي، وان الشياطين يرتجفون من الناس الذين كانوا قديماً تحت حوزتهم. والعجيب في الأمر أن هذا الاصلاح كلّه قد تمّ بصليب المسيح وآلامه وموته. والبشار بالمعرفة الإلهية قد انتشرت في الأرض كلها، لا بحرب ولا بسلاح ولا بجيوش مدرَّبة لمقاتلة العدو، بل بشرذمة من أُناسٍ عراة، محتقَرين، أُميِّين، مشرّدين ومضطَهَدين ومحكوم عليهم بالموت، وهم يبشّرون بمن صُلب بالجسد وحُكم عليه بالموت. وقد انتصروا على الحكماء والمقتدرين، لأن قدرة الصليب- وهي الأقوى -كانت تتبعهم. والموت الذي كان قديماً الموضوع الأكبر للخوف والحذر والكراهية، قد أضحى اليوم أفضل من الحياة. وهذه هي الاصلاحات الناتجة من مجيء المسيح وهذه هي الأدلّة على قوّته، فانه لم يفعل الآن- كما بموسى -أن فَلَقَ بحراً فأنقذ شعباً واحداً من مصر ومن عبودية فرعون، بل بالأحرى انه قد انتشل البشرية من فساد الموت ومن المغتصب العاتي ومن الخطيئة. وهو في ذلك لم يغتصب اغتصاباً إلى الفضيلة، فلم يُوارِ الخطأة في الثرى ولا أحرقهم بالنار ولا رجمهم بالحجارة. لكنّه -بوداعته ورحابة صدره- قد جذب الناس إلى الفضيلة فصاروا يتسابقون إلى الأتعاب في سبيلها ويستلذونها. وقد كان الخطأة قديماً يُعاقَبون ويستمرّون في خطيئتهم وكانت لهم الخطيئة بمثابة إله. أمّا اليوم ففي سبيل التقوى والفضيلة يتكبّدون الأعذبة والعقوبات والموت.

فشكراً لك أيها المسيح كلمة الله وحكمته وقوّته والإله القدير! ماذا نقرّب لك نحن البائسين عن هذه الإحسانات كلها؟ فإنّ الكل لك وأنت لا تطلب منا سوى خلاصك، مع علمك أنك في صلاحك المعجز البيان وفيمَا أنت تهب هذا الخلاص، تشكر لمن يتقبّلونه. فلك الشكر يا من أعطانا الوجود وأعطانا حسن الوجود وأعادنا إليه بعد سقطتنا في تنازله المعجز البيان.

 

2- في الصليب ثم في الإيمان أيضاً

"ان كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، وأمّا عندنا نحن المخلّصين فهي قوة الله" (1 كور 1: 18)؛ "فان الروحي يحكم في كل شيء" (1 كور 2: 15)، "أما الإنسان الحيواني فلا يدرك ما لروح الله" (1 كور 1: 14). فإنها لجهالة عند الذين لا يقتبلون ذلك بإيمان ويشكّكون في صلاح الله واقتداره العام، بل يدقّقون في بحث الالهيات بأفكار بشرية وطبيعية، لأن كل ما يتعلّق بالله هو فوق الطبيعة والنطق والتفكير. فإذا تساءل أحدهم كيف و بماذا ولماذا أخرج الله كل شيء من العدم إلى الوجود، وأراد أن يعبِّر عن ذلك بأفكار طبيعيّة، فهو لا يستوعبه وتكون معرفته نفسها طبيعية وشيطانية. أمّا إذا هو انقاد على هَدْيِ الإيمان وفكّر بأن الإله صالح وقدير وصادق وحكيم وعادل؛ فهو يرى كل شيء سهلاً وممهداً، والسبيلَ إليه رحباً. فانه لا يمكن الخلاص بدون الإيمان. وبالإيمان يقوم كل شيء، بشريّاً كان أم روحياً. لأن الفلاّح بدون إيمان لا يشقّ أرضاً إلى أثلام، ولا التاجر بدون إيمان يزجّ بنفسه على خشبة صغيرة في لجّة البحر الهائج، ولا الزواجات تقوم، ولا أيّ شيء آخر مما في الحياة. فبالإيمان نفهم خروج كل شيء من العدم إلى الوجود بقوة الله، وبالإيمان نقدّر كل الإلهيّات والبشريات قدرها. فإن الإيمان اقتناع لا يتخلّله أبحاث فارغة!

 

3- ليس من شيء أعجب من صليب المسيح. فوائده.

إذن فإن كل أعمال المسيح ومعجزاته عظيمة جداً وإلهيّة وعجيبة. بيد أن أعجبها كلها صليبه الكريم. فلولاه لما بَطُلَ الموت أبداً ولا انحلّت خطيئة أبينا الأول ولا سلب الجحيم ولا منحت القيامة ولا أعطيت لنا قوة لاحتقار الأشياء الحاضرة والموت نفسه ولا تمهّد السبيل للعودة إلى السعادة القديمة ولا فتحت أبواب الفردوس وجلست طبيعتنا إلى ميامن الله ولا صرنا أبناء الله وورثته، لو لم يكن ذلك بصليب ربنا يسوع المسيح، لأن كل شيء قد اصطلح بالصليب. ولذا فان الرسول يقول: "ان كلّ من اصطبغ منّا في يسوع المسيح اصطبغ في موته" (رو 6: 3)، و "نحن جملة من اعتمدنا في المسيح قد لبسنا المسيح" (رو 3: 27)، و"المسيح قوة الله وحكمة الله" (1 كور 1: 24). فهوذا موت المسيح -أي صليبه- قد ألبسنا حكمة الله وقوّته الأقنومية. والكلمة، كلمة الصليب، هو قوة الله، ذلك لأنه اقتدار الله، ولأنه انتصر على الموت وبه قد ظهر لنا، ولأنه -على نحو ما ان أطراف الصليب الأربعة ترتبط وتشتدّ في نقطتها الوسطى- كذلك، بقوة الله، يجمع العلو والعمق والطول والعرض أي الخليقة كلها، ما يرى منها وما لا يرى.

 

4- إشارة الصليب تمييز بين المؤمنين وغير المؤمنين

والصليب قد أُعطي لنا سمة على جبهتنا. على نحو ما دفعت الختانة لاسرائيل. والمؤمنون يتميّزون بواسطتها من غير المؤمنين فنعرفهم. وهو ترس وسلاح وفوز ضدّ إبليس، وهو ختم كي لا يمسّه مُبيد الكل، كما يقول الكتاب. وهو نهوض الساقطين وسنَد الواقفين وعكاز الضعفاء وعصا الرعاة وإرشاد المرتدّين وكمال الفائزين. وهو خلاص للنفس والجسد ودحض للشرور كلها وقيّم على توزيع الخيرات كلها وإبطال للخطيئة وغرسة القيامة وإعادة الحياة الأبدية.

 

5- السجود لعود الصليب ولسائر ما قدّسه المسيح بلمسه إياه

إذن فيجب السجود للعود الكريم حقاً والمستحق الاكرام الذي قرّب عليه المسيح ذاته مذبوحاً لأجلنا، وقد تقدّس بلمسه الجسد والدم الأقدسين. ويجب السجود أيضاً للمسامير والحربة وثيابه، ولمساكنه التي هي المذود والمغارة والجلجلة وقبره الخلاصي المحيي، ولصهيون أُمّ الكنائس ولأمثالها، على ما يقول داود أبو المسيح إلهنا: "لندخل إلى مساكن الرب ولنسجد لموطئ قدميه" (مز 131: 8). والبرهان على أنه يعني بذلك الصليب، يؤخذ ممّا يأتي: "قم أيها الرب إلى راحتك" (مز 131: 8)، لأن القيامة تتبع الصليب. فاذا كان الحبيب يحبّ من محبوبه بيته وسريره ولباسه، فكم بالأحرى كثيراً يجب أن نحبّ- من إلهنا ومخلصنا -ما بواسطته صرنا مخلصين!

 

6- يجب السجود لرسم الصليب، على انه شارة المسيح، ولا ينبغي السجود لمادة الصليب

ونحن نسجد أيضاً لرسم الصليب الكريم المحيي ولو كان من مادة أخرى، لأننا لا نكرّم المادة، حاشا! بل الرسم، على انه رمز المسيح. وقد قال هو بوصيته لتلاميذه: "وحينئذٍ تظهر علامة ابن البشر في السماء" (متى 24: 30) -دالاًّ بذلك على الصليب-. لذلك قال أيضاً ملاك القيامة للنسوة: "إنّكنَّ تطلبن يسوع الناصري المصلوب" (متى 28: 5)، لأن كثيرين هم الذين يتكنّون بالمسيح وبيسوع، ولكنّ المصلوب واحد. وهو لم يقل: المطعون بحربة، بل المصلوب. وعليه يجب السجود لعلامة المسيح، لأنه حيثما تكون العلامة يكون هو نفسه أيضاً. أمّا المادة المعمول منها رسم الصليب، ذهباً كانت أم حجارة كريمة، فإذا حدث أن زال الرسم، لا ينبغي لها السجود. وعليه فاننا نسجد لكل ما ينسب إلى الله، مركِّزين عبادتنا عليه.

 

7- إن عود الحياة رمز الصليب

ان عود الحياة -ذاك الذي كان قد غرسه الله في الفردوس- كان قد سبق ورمز إلى الصليب الكريم. فلمّا دخل الموت إلينا بالعود، وجب أن تعطى لنا بالعود الحياة والقيامة. ويعقوب الأول لمّا سجد لرأس عصا يوسف قد صوّر الصليب، ولمّا بارك ولديه بيديه المتعارضتين، رسم علامه الصليب رسماً جليّاً جداً. وان عصا موسى -بالضرب بها البحر شكل صليب- أنقذت اسرائيل وغرّقت فرعون. وان يديه المبسوطتين على شكل صليب قهرنا عماليق. والماء المرّ قد صار حلواً بالعود وانفلقت الصخرة وجرت منها المياه. وان عصاً أيضاً قد احتفظت لهارون برئاسة الكهنوت. والحيّة لمّا رُفعت على عود وقد بدت مائتة، خلّص العود أولئك المؤمنين الناظرين إلى عدوّهم مائتاً. ذلك على مثال المسيح الذي لم يعرف خطيئة وقد سُمِّرَ بجسد الخطيئة. لذلك صرخ موسى العظيم قائلاً: "انظروا إلى حياتكم على عود معلَّقة تجاه أعينكم" (عن النص السبعيني)، وقال اشعيا: "بسطت يديّ النهار كلّه نحو شعب عاصٍ يسلكون طريقاً غير صالح وراء أفكارهم" (عن النص السبعيني). أمّا نحن الساجدين له فعسانا نحظى بالنصيب مع المسيح المصلوب!

المسرّة، 1981 تشرين الأول، عدد 669


قراءات 2: يسوع المصلوب

 

1- يسوع المصلوب يظهر محبته لنا

"ليس من حبّ أعظم من هذا أن يبذل الإنسان نفسه فداءً عن أحبائه." (يو 15/13) "ولمّا أحبَّ خاصته الذين في العالم، أحبهم إلى الغاية." (يوحنا 13/1).

بعد هذا التأكيد هل يمكن للبشر أن يتساءلوا إذا كان الله يحبّهم. في الحقيقة "ان الله أحبَّ العالم إلى حدّ أنه بذل ابنه الوحيد." (يو 3/16). والمحبة تستدعي المحبة، والمحبة لا تقابل إلاّ بالمحبة.

إنما هذه المحبة يجب أن تكون كمحبة المصلوب: إلى الغاية، وبدون حدّ، وكما أحبّنا هو.

 

2- يسوع المصلوب يظهر قيمة الإنسان

مَن هو الإنسان؟ هل ثمنه غالٍ؟

هو الذي قال عنه بولس الرسول: "أحبني أنا، وبذل نفسه عني." (غلا 2/2) وكما قال بسكال في كتابه "سر المسيح" على لسان السيّد: "أنا افتكرت بك في نزاعي...؛ أهرقت من أجلك هذه النقطة من دمي...؛ أنهار دمائي سكبتها من أجلك..."

نعم لم يُشترَ الإنسان بثمن رخيص. "لم تشتروا بثمن ذهب أو فضة، بل بثمن دم ابن الله الثمين.. هذا الحمل بدون عيب ولا دنس." (1 بطر 1/8).

ثمن الإنسان هو دم الله الصائر بشراً. ولذلك قال بولس الرسول: "... لا تشكك أخاً من أجله مات المسيح." (1 كور 8/2).

وهكذا يبين بوضوح أنه كما أحبَّ المسيح الإنسان، على الإنسان أن يحبّ الله. "إذا كان الله أحبنا إلى هذا الحدّ فيجب أن يحبّ بعضنا بعضاً." (يو 4/2) "بهذا علّمنا المحبة، أن المسيح أعطى حياته من أجلنا، فيجب إذن، في دورنا أن نعطي حياتنا من أجل إخوتنا." (1 يو 3/10) "أحبّوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم" (يو 13/34) "إحيوا في المحبة، على مثال المسيح الذي أحبّنا وبذل نفسه عنّا" (أفسس 5/2).

 

3- يسوع المصلوب يظهر قيمة الخطيئة

كلنا خطأة.

والبشر ينسون معنى الخطيئة ويتعوّدون على الخطيئة، ولا يعتبرون أن الخطيئة هي أعظم الشرور.

يسوع المصلوب يظهر قيمة الخطيئة. "جُرح لأجل خطايانا، وسُحق لأجل معاصينا." (أشعيا 53/5).

يظهر يسوع على الصليب: "لا منظر له، ولا جمال، محروثاً بالآلام..؛ ليس إنساناً بل دودة" "فلأنه صار لعنةً من أجلنا." (2 كور 5/21) ولأنه "حمل الله الحامل خطيئة العالم." (يو 1/29).

أمام المصلوب لا يمكن لإنسان أن يعتبر الخطيئة شيئاً بسيطاً.

لكن الله الذي أحبَّ الإنسان إلى هذه الدرجة يغفر ويسامح.

قال بولس الرسول: "لمّا كنا خطأة، مات المسيح من أجلنا" (رومية 5/8) "انه غسل بدمه خطايانا" (رؤيا 1/5) "ولو كانت خطاياكم كلون القرمز فتبيضُّ أكثر من الثلج؛ ولو كانت حمراء كالأرجوان فتصير كالصوف." (اشعيا 1/18).

إن الاعتقاد بأن الخطيئة لا تغفر هو حدٌّ لرحمة الله.

 

4- يسوع المصلوب يظهر قيمة الألم

إننا كبشر نحمل الألم كصفة ملازمة لطبيعتنا.

هذا العالم دعته الكنيسة وادي الدموع وأرض جهاد وميدان حرب.

لكن يتساءل الإنسان لماذا العذاب.. وكيف ان الله القدير والصالح بالطبع يسمح بشرور جسيمة.

لا حلّ ولا سرح لهذه المشكلة إلاّ على ضوء نور الصليب.

الحلّ الوحيد هو النظر إلى المصلوب.

إن العذاب هو سرّ لا يُفهَم إلاّ من خلال سرّ عذاب ابن الله المتجسّد والمتألم والمصلوب لأجلنا.

"ان الحبر الذي لنا، قال بولس الرسول، ليس ممن لا يستطيع أن يرثي لأمراضنا بل قد جُرّب في كل شيء مثلنا ما خلا الخطيئة." (عبر 4/15).

يصيح إرميا بالإنسان المتألم: "أنتم، يا كل من تسلكون هذه الطريق الوعرة، انظروا وتأملوا إذا كان يوجد ألم يُشبِه ألمي." (مراثي ارميا 1/1، 21).

ان الإنسان يستطيع أن يجعل من عذابه شركة في التفكير والفداء وفي قيامة المسيح. "إذا كنا نتألم معه فسنتمجّد معه.. إن آلام هذا الدهر لا تُقاس بالمجد المزمع أن يتجلى فينا." (رو 8/17) "ان آلامنا الحقيقية الحاضرة تنشئ لنا ثقل مجد لا حدّ لسموّه." (2 كور 4/17) "اني أتم في جسدي ما نقص من آلام المسيح، لأجل جسده الذي هو الكنيسة." (كولسي 1/24).

إن شغلي المتعب، وهمومي المختلفة، وفشلي وأتعابي الجسدية، واجتهادي وسعي اليومي للثبات أميناً للمُثُل المسيحية ولشريعة المحبة والطهارة والإباء؛ ان كفري الطوعي بالأشياء، ونداء العذاب الصادي في قلبي؛ كل هذه هي صليب وواسطة بها أشرك آلامي بآلام المسيح، و بها أقتدي به وأساعده في عمله الفدائي.

إن دموعك ودمك مع دموع ودم المسيح هذه هي التي تخلّص العالم كما قال بول كلوديل.

لنضع "أمام أعيننا صورة المسيح المصلوب" (غلا 3/1) حتى "نعرف" بأكثر وضوح: المسيح المصلوب، معرفة هي نور وحب وحياة. (1 كور 2/2).

1. ك.

Abbe H. Chantry

L’Union: 1953: mars



Fatal error: Call to undefined function session_register() in /home/melkites/public_html/ar/spirit/listsearch.php on line 169